عيون خائفة تراقب السماء.. طفولة مسروقة في غزة والضفة

في خيمة صغيرة بالكاد تحمي جسد علي، يجلس محدّقًا في السماء، لكنه لا يرى فيها حرية أو فضاءً مفتوحًا، بل سقفًا مهددًا بالانهيار في أي لحظة. أصوات الطائرات والرصاص لم تغادر رأسه منذ عامين.
عامان من الحرب لم يتركا خلفهما سوى الخوف والانتظار الثقيل، حيث تصبح الليالي مساحة للنجاة المؤجّلة، وليست للنوم.
يهمس علي لنفسه في كل ليلة: "نسيت معنى أن أنام بلا خوف، تحت سقف يحمي، ولا يسقط عليّ". في عينيه كل شيء أصبح تهديدًا محتملًا، حتى الهواء الذي يتنفسه. لم تعد الطفولة حقًا يُعاش، بل عبء صامت، لكنه ثقيل بشكل لا يُطاق.


على بعد أمتار قليلة، في بيتٍ منهك آخر، تجلس فتاة في السابعة عشرة. النزوح وفقدان المنزل والعمل، والانهيار الاقتصادي، كل هذه الضغوط دفعتها وعائلتها إلى قرار قاسٍ: الزواج المبكر. تقول بصوت منكسر: "لم يكن أمامي سوى القبول". الحياة الجديدة جاءت أكثر قسوة، مسؤوليات تفوق سنها، وحمل مبكر يزيد الخوف والضغط النفسي. "كنت بحاجة لأن أعيش سني، أن أتعلم، أن أختار… لكن الحرب دمّرتنا. أشعر أنني ميتة، وأتمنى لو يحدث ذلك فعلاً"، تضيف.
بين علي وهذه الفتاة، تتسع رقعة الانكسار. الأطفال يعانون اضطرابات النوم والعزلة، المراهقون يغرقون في شعور عميق باللاجدوى، والفتيات يقفن في أشد لحظات الهشاشة، حيث ترتفع معدلات زواج القاصرات والحمل المبكر. تشير التقديرات إلى أنّ 63% من الفتيات اللواتي تزوّجن مبكرًا تعرضن لأشكال مختلفة من العنف، فيما تم توثيق أكثر من مئة حالة انتحار أو محاولة انتحار بين الناجيات من العنف.


في الضفة الغربية، لا يبدو المشهد أقل وطأة، رغم اختلاف ملامحه. الأطفال والشباب يعيشون تحت ضغط مستمر، بين خوف المداهمات، قيود الحركة، وغموض يحيط بكل شيء، من العمل والتعليم وصولًا إلى أبسط الخدمات الأساسية. الحواجز، ونقاط التفتيش، وأعمال العنف المستمرة تجعل الحياة اليومية صعبة، والقلق المزمن جزءًا لا يتجزأ من الروتين.


الأرقام التي تقدمها الجهات المتخصصة صادمة، لكنها تروي الحقيقة: أكثر من مليون طفل في غزة بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي، 61% يعانون اضطراب ما بعد الصدمة، 38% اكتئاب، و41% قلق، فيما يفكر واحد من كل خمسة بالغين بالانتحار بشكل شبه يومي. هذه ليست مجرد أرقام، بل حياة تُعاش تحت ظل الخطر المستمر، حيث يتحول الخوف إلى رفيق دائم، والنجاة إلى احتمال هشّ.


الأخصائي النفسي معين حسين يصف الوضع بأنه "صدمة جماعية مستمرة، تتشابك فيها الخسارة مع الخوف، ويتحول انعدام الأمان إلى قاعدة". الأطفال يعانون اضطرابات النوم والعزلة، بينما يغرق المراهقون في شعور عميق باللاجدوى، ترافقه أفكار متكررة عن الموت. تجاهل هذه الحالة لن يعني سوى ترحيلها إلى المستقبل، حيث ستترك آثارها الثقيلة على جيل كامل.


في مخيمات غزة والضفة، يتحرك الشبان والأطفال كأنهم على حافة جسر هزاز، كل خطوة قد تكون الأخيرة في عالم لا يضمن الأمان لأي منهم. المدرسة لم تعد مكانًا للتعلم فقط، بل للهرب من الضغوط المنزلية والضياع النفسي، وفي كثير من الأحيان تصبح مجرد واجهة خاوية وسط غياب الدعم النفسي والاجتماعي.


عامان من الحرب لم يتركوا دمارًا ماديًا فقط، بل خلفوا ندوبًا صامتة تتسلل إلى أعماق النفوس. في غزة، لا تنتهي الحرب عند وقف إطلاق النار، بل تبدأ داخل النفوس، حيث تستمر بلا هدنة، وتعيد تشكيل الإنسان من الداخل، بصمت وببطء، لتطبع في كل طفل وكل شاب علامات الخوف، القلق، والانكسار.
في هذه القصة، يتحول الخوف إلى رفيق يومي، ويصبح البقاء على قيد الحياة معركة مستمرة. الأطفال يحلمون بالنوم بلا كوابيس، المراهقون يتمنون لحظات بسيطة من الاطمئنان، والفتيات يحلمن بالحرية في اختيار مصيرهن. هذه ليست مجرد حكايات، بل أصوات حياتية حقيقية تتحدث عن معاناة جيل كامل تحت وطأة الحرب والصدمات المستمرة.