"غزة ليست مكانًا يُترك".. حكاية عائلة اختارت الركام على الغربة
لم يكن الدمار كافيًا ليطفئ الحنين. بعد قرابة عامين من الغياب القسري، عادت اعتدال ريان إلى غزة، لا تحمل معها سوى أطفالها الثلاثة وقلبٍ مثقل بالشوق، وقناعة واحدة: الوطن، مهما كان مكسورًا، يظل وطنًا.
خرجت اعتدال من غزة وهي مصابة في ساقها، تحذير الأطباء كان قاسيًا: خطر البتر إن لم تتلقَّ علاجًا عاجلًا. اضطرت إلى الرحيل مع والدتها وأطفالها إلى مصر، تاركة خلفها زوجها وبيتها وكل ما يشبه الحياة. هناك، في الغربة، تعلّمت المشي من جديد، لكن قلبها لم يتعلّم كيف يبتعد.
حين فُتح معبر رفح بشكل محدود، كانت اعتدال من القلائل الذين سُمح لهم بالعودة. لم تتردد، رغم علمها أنها ستعود إلى خيمة، لا إلى بيت، وإلى مدينة بلا كهرباء ولا ملامح. قالت قبل عبورها الحدود: “مشتاقة أروّح على بلدي.. حتى لو راح أرجع أسكن في خيمة”.
في العريش، كان أطفالها يحزمون البطانيات بفرحٍ يشبه العيد. حنان وضعت شريطًا في شعرها انتظارًا للقاء والدها، فيما ردّد الأطفال الثلاثة بحماس طفولي: “هنروح على غزة”.
الرحلة كانت طويلة وثقيلة. ثلاث نقاط تفتيش، أسئلة، انتظار، وخوف مكتوم. وعند منتصف الليل، في خان يونس، انتهى كل ذلك بعناق. عناق طويل جمع اعتدال بزوجها أحمد، وعناق آخر أعاد الأطفال إلى حضن والدهم. لحظة قصيرة، لكنها بدت كأنها تعوّض عامين من الفقد.
غير أن الصدمة كانت بانتظارهم. تقول اعتدال: “ولا دار واقفة… كله دمار”.. البيت الذي كان يومًا ملاذهم في شمال غزة لم يعد موجودًا.
أحمد تمكّن بصعوبة من تدبير ثلاث فرشات لخمسة أشخاص، ليبدأوا حياة جديدة داخل خيمة.
كثيرون تساءلوا: لماذا العودة؟ لماذا اختيار الدمار بدل الأمان؟
إجابة اعتدال كانت بسيطة، موجعة، وصادقة:“الغربة صعبة.. الحياة في غزة حلوة بردو، حتى لو كانت دمار”.
هي ليست قصة عودة إلى مكان، بل عودة إلى معنى. إلى زوج، إلى ذاكرة، إلى أرضٍ مهدّمة لكنها ما زالت تنبض بالحياة في قلوب أبنائها.

.avif)