حين تموت أشجار غزة.. من يروي حكاية الأرض؟
كان سمير يقف على أطراف أرضه، يحدّق في الفراغ كما لو أنه يحاول أن يتذكّر شكل الحياة. لم يكن الصمت جديدًا عليه، لكن هذا الصمت تحديدًا كان مختلفًا.. ثقيلًا، كأنه يحمل غياب كل شيء دفعة واحدة.
قبل سنوات، لم تكن هذه الأرض تعرف الفراغ. كانت الأشجار تتشابك ظلالها، والتين يلين تحت الشمس، والزيتون يلمع كحبات ذاكرةٍ خضراء لا تنطفئ. كان يعرف كل شجرة باسمها، وكل موسم برائحته، وكل زاوية بحكاية. لم تكن الأرض مجرد مصدر رزق، بل كانت امتدادًا لروحه.
ثم بدأت الحرب على غزة.
في البداية، ظنّ أن الأمر عابر، مثل كل مرة. لكن شيئًا فشيئًا، أخذت التفاصيل الصغيرة تختفي. الطيور التي كانت توقظه مع الفجر لم تعد تأتي. الحقول التي كانت تضج بالحياة صارت أكثر هدوءًا. حتى الريح، بدت كأنها تمرّ دون أن تحمل معها رائحة الزرع.
وفي كل مرة كان يُجبر على الرحيل، كان يترك خلفه شيئًا لا يُعوض. تسع مرات نزح، تسع مرات حمل ما استطاع، وترك ما لا يُحمل: شجرة زرعها بيده، بئر حفره بعرقه، موسمًا كان ينتظره.
كان يقول لنفسه في كل مرة: "سأعود".
وحين عاد أخيرًا… لم يجد ما يعود إليه.
وقف في المكان ذاته، لكن الأرض لم تتعرّف عليه، ولم يتعرّف عليها. لا أشجار، لا ظل، لا صوت. فقط تراب جاف يمتد بلا نهاية، كأن الحياة مرّت من هنا ثم قررت ألا تعود.
انحنى، أخذ حفنة من التراب، وتركها تنساب من بين أصابعه. كان يبحث عن شيء مألوف—رائحة، ملمس، ذكرى—لكن كل شيء بدا غريبًا، حتى عليه.
لم تكن خسارته مجرد أرض. كانت خسارة زمن كامل، أيامٍ كانت تُقاس بمواسم الحصاد، وليالٍ كانت تُختصر بحكاياتٍ تحت شجرة زيتون. الآن، لم يعد هناك ما يُقاس به الوقت، ولا ما يُروى.
في الليل، حين يغمض عينيه، لا يرى الخراب. يرى ما كان: أشجارًا، وطيورًا، وأطفاله يركضون بين الصفوف الخضراء. لكنه حين يستيقظ، يعود كل شيء إلى حقيقته القاسية.
ومع ذلك، لم يفقد شيئًا واحدًا.
في زاوية بعيدة من قلبه، بقيت فكرة صغيرة، عنيدة، ترفض أن تموت: أن الأرض، مهما جفّت، يمكن أن تُزهر من جديد.
نظر إلى الأفق، ثم قال بصوت خافت، كأنه يخاطب الأرض نفسها:
"سنزرعكِ مرةً أخرى.. حتى لو طال الانتظار."

.avif)