الخيام والمكبات.. قصص غزة التي لم تُروَ بعد

مع شروق باهت لا يشبه الصباحات، تستيقظ نهلة يوسف كل يوم داخل خيمة مهترئة نُصبت على قارعة شارع صلاح الدين، شرقي الزوايدة.
لا تفتح عينيها على ضوء الشمس، بل على دخانٍ أسود كثيف يتسلل إلى صدرها قبل أن يصل إلى رئتي أطفالها.


قبل عامين، كانت نهلة تعيش في شمال قطاع غزة، داخل بيت بسيط لكنه آمن، أما اليوم، لم يتبقَّ من ذلك البيت سوى ذكرى، ولم يتبقَّ من الأمان سوى أملٍ هشّ. نزحت هربًا من القصف، لكنها وجدت نفسها في مواجهة موتٍ أبطأ، يتسلل مع كل شهيق.
تجاور خيمتها مكب نفايات عشوائي، حيث تُحرق المخلفات البلاستيكية يوميًا لاستخراج ما يُسمّى "وقود الضرورة".
دخان سام، رائحة خانقة، وسماء لا ترى زرقتها. تقول نهلة، وهي تحاول كتم سعالها: "هربنا من الشظايا، لكننا لم نهرب من الموت. هنا نموت قليلًا كل يوم".
أُصيبت نهلة بالربو بعد أن كانت تعاني حساسية خفيفة، أما طفلها ذو السبعة أعوام، فقد غطّت الطفوح الجلدية جسده الصغير، ولا يفارقه الصداع. المستشفيات بعيدة، والأدوية شحيحة، والهواء نفسه صار سببًا للمرض.


قصة نهلة ليست استثناءً. آلاف العائلات النازحة تعيش المشهد ذاته، محاصَرة بين الخيام ومكبات النفايات، في بيئة تحولت إلى بؤرة للأوبئة.
وعلى بُعد كيلومترات، في دير البلح، تخوض فاتن حلس معركة مختلفة لكنها لا تقل قسوة. تحمل أوعية بلاستيكية فارغة، وتسير مع بناتها مسافات طويلة بحثًا عن ماء. كثيرًا ما تعود بخيبةٍ أخرى.
وتقول فاتن، وعيناها تراقبان بناتها: "نستخدم ماء البحر لغسل الملابس، وأحيانًا ليستحم الأطفال فيه رغم تلوثه. العطش أقسى من الخوف".
أُصيب أطفالها بأمراضٍ معوية وجلدية، لكن الخيارات معدومة. فالماء النظيف نادر، والاستحمام رفاهية، والاختيار بينهما قاسٍ كالحصار نفسه.


في غزة اليوم، لا تقتل الحرب بالقنابل فقط. تقتل بالهواء الملوث، والمياه المسمومة، والركام المتراكم فوق ما كان يومًا بيوتًا وأحلامًا. ركام يخفي تحته مواد سامة، ويهدد بالانهيار في أي لحظة.


وصفت الأمم المتحدة ما يجري بأنه "تدمير بيئي غير مسبوق". لكن خلف هذه العبارة الجافة، تعيش نهلة وفاتن وآلاف غيرهما صراعًا يوميًا من أجل البقاء.
غزة اليوم لا تطلب الشفقة، بل الحق في الحياة.. حياةٌ تُقاوِم، لا لأنها جميلة، بل لأنها أصبحت معجزة