"الموت فوق الخيام".. الناس في غزة ينامون "بعينٍ مفتوحة"

وسط مدينة غزة، وتحديداً عند ساحة الجندي المجهول، لا ينتظر النازحون صوت القصف ليشعروا بالخطر، بل يكفي أن تعصف الرياح، أو تتكاثف الغيوم إيذانًا بمطرٍ غزير، حتى تتجه العيون تلقائيًا نحو برج إسمنتي متصدع يعلو خيامهم، كأنه سيف معلق فوق رؤوسهم، يهدد بتحويل المكان إلى مقبرة جماعية في أي لحظة.
هنا في غزة ينام الناس بعين مفتوحة
داخل خيمةٍ مهترئة مغطاة بالنايلون، يقيم أبو أحمد زمو، تحيط به عشرات الخيام التي تأوي نازحين من أحياء مختلفة من مدينة غزة، لا تفصل خيمتهم عن برج بنك فلسطين المتضرر سوى أمتار قليلة.
هذا القرب لم يعد مجرد مسافة، بل مصدر عب يومي، جعل الخوف من انهيار الإسمنت لا يقل عن الخوف من القصف.
يقول أبو أحمد بصوتٍ مثقل بالقلق: “الخطر يطوّقنا. كل منخفضٍ جوي نشعر أن نهايتنا قد تكون قريبة، مع أي هبّة ريح قوية”.
البرج، المؤلف من 15 طابقًا، كان يومًا أحد أبرز معالم حيّ الرمال التجاري، أما اليوم، يقف مائلًا ومتشققًا، بعد أن دُمّرت أجزاء من طوابقه السفلية بفعل الغارات الجوية.
أعمدته الخرسانية متصدعة، وطوابقه العليا تبدو كأنها معلّقة في الهواء، بلا أي ضمان للثبات، فيما تحوّلت الساحة المحيطة به إلى منطقة خطر حقيقي يعيش فيها نازحون بلا حماية.
مع كل عاصفة، يتجدد الكابوس.
في الأيام الأخيرة، ومع تأثر قطاع غزة بمنخفضٍ جوي عميق، ازدادت المخاوف بعد تسجيل انهيارات متتالية لمبانٍ متضررة في مناطق عدة.
حوادث أودت بحياة خمسة مواطنين، بينهم طفلة وامرأتان، لتذكّر الجميع بأن الموت في غزة لا يأتي فقط من السماء، بل قد يسقط من الجدران المتشققة أيضًا.
على مقربة من البرج، تعيش نادية قاسم، أربعينية نزحت مع زوجها وأطفالها الخمسة بعد تدمير منزلهم في بيت حانون شمال القطاع. لا تستطيع العودة، ولا تملك خيار الرحيل. خيمتها، مثل غيرها، تواجه البرج مباشرة.
تقول نادية: “في النهار نحاول التعايش، لكن في الليل يسيطر الخوف. عندما ينام أطفالي، أبقى أراقب البرج، خصوصًا وقت العواصف. أخشى أن يسقط علينا ونحن نائمون”.
تحاول أن تبدو قوية أمام أطفالها، لكن عينيها تفضحان قلقًا لا يفارقها. لا تملك رفاهية البحث عن مكانٍ أكثر أمانًا، في مدينةٍ باتت مكتظة بالنازحين، ومحاصرة بكل أشكال الخطر.
خلال الأسابيع الماضية، أطلق نازحون وناشطون نداءات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مطالبين بإخلاء ساحة الجندي المجهول، أو إزالة الأجزاء الخطِرة من البرج، قبل وقوع كارثة.
غير أن هذه المطالب تصطدم بواقعٍ قاسٍ: حصار مستمر، وغياب للآليات الثقيلة، وعجز عن تنفيذ عمليات هدم آمن.
الدفاع المدني في غزة حذّر مرارًا من خطورة البرج، وأكد المتحدث باسمه، الرائد محمود بصل، أن المبنى يشكّل تهديدًا مباشرًا لحياة النازحين، مشيرًا إلى أن الجهاز خاطب جهات دولية عدة دون جدوى، في ظل افتقار الإمكانيات المحلية لأي تدخل فعلي.
ومع بقاء آلاف المباني المتضررة دون فحص أو تدعيم، واستمرار منع إدخال معدات إزالة الركام، يجد نازحو ساحة “الجندي المجهول” أنفسهم أمام خيارين كلاهما قاسٍ: البقاء تحت تهديدٍ دائم، أو البحث عن ملاذٍ شبه معدوم في مدينةٍ لم تعد تعرف معنى الأمان.