رمضان غزة.. موائد تنتظر الغائبين
قبل أذان المغرب بدقائق، حين يخفُت ضجيج المخيم قليلًا ويعلو همس الدعاء من الخيام المتلاصقة، تجلس سعاد مهنا عند طرف خيمتها المهترئة، تُسوّي أطراف مفرشٍ صغير فوق صندوق خشبي اتخذته مائدة.
تمدّ يدها بحذر كأنها تُعدّل ملامح وجهٍ عزيز، تضع طبقًا متواضعًا من الأرز وعدة تمرات، ثم تُزيح الكوب قليلًا إلى اليمين. تتأمل المقعد المقابل لها طويلًا، وتتنهد.
المقعد خالٍ، لكن حضوره أثقل من أي جسد.. “أترك حصته كما هي”، تقول بصوتٍ يخالطه رجاء، “إن رفعتها أشعر أنني خذلته”.
محمد، ابنها الأكبر، مفقود منذ شهور. خرج مع موجة النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه في يناير 2024، يحمل كيسًا صغيرًا وبعض الوثائق، ووعدًا سريعًا بالعودة. منذ ذلك اليوم، لم يصل خبر يقين. لا اتصال، لا شاهد، لا قبر يُزار. فقط غياب معلّق بين احتمالين ينهشان قلب أم.
كان محمد آخر من يبدأ الإفطار، يتعمد تأخير اللقمة الأولى حتى يطمئن أن الجميع أخذ نصيبه. وكان أول من يطرق باب غرفتها قبيل السحور، يهمس ضاحكًا: “يمّا، السحور بركة”. الآن، لا طرقات على باب الخيمة، ولا خطوات ثقيلة تُبعثر سكون الليل.
تقول سعاد: “لو قالوا لي استُشهد، لبكيت وانتهى الانتظار. المفقود يعلّقك بين سماء وأرض… لا أنتِ قادرة على الحداد، ولا قادرة على الفرح”.
في الليل، تستعيد صوته كما كان، واضحًا، قريبًا، كأن الغياب خدعة عابرة. وفي الفجر، تُحصي خطواتٍ لم تصل. تطهو ما كان يحبّه، وتحتفظ بملابسه التي انتشلتها من تحت ركام بيتهم المدمر. تغسلها أحيانًا رغم نظافتها، وتعيد طيّها ببطء، كما لو كانت تؤجّل الاعتراف بأن صاحبها غائب.
غير بعيد عن خيمة سعاد، تجلس مريم ذات الأعوام العشرة إلى جوار أمها. تمسك مسبحة صغيرة، خرزاتها خضراء باهتة، تلتف حول أصابعها الدقيقة. كان والدها يوقظها في أول أيام رمضان، يربت على كتفها بحنان ويقول: “اليوم صيام الأبطال”. وإذا صامت يومًا كاملًا، منحها هدية بسيطة، لعبة صغيرة أو كتابًا ملوّنًا.
هذا العام، استيقظت مريم على صمت ثقيل. لا صوت أب يمازحها، ولا قبلة على جبينها.، تنظر إلى مكانه المعتاد على المائدة، حيث تركت أمها فراغًا لا يملؤه شيء. تقول بخجل طفولي: “كنت أريد أن أخبره أنني صمت يومًا كاملًا… ولم أبكِ”.
حين يعلو أذان المغرب، ترفع يديها بالدعاء، لكنها تتوقف قليلًا، كأنها تبحث عن يدٍ أخرى تمسك بها. تتذكر كيف كان يأخذها إلى صلاة التراويح، يمشي بخطوات بطيئة لتلحق به، ويهمس بدعاءٍ طويل قبل الإفطار. الآن، تدعو وحدها.
“أطلب من الله أن يزورني في المنام”، تقول، “لأخبره أنني كبرت”.
وفي خيمةٍ أخرى تكاد تغرقها مياه المطر، يجلس معتز عبده، يُقلّب فانوسًا مكسورًا. زجاجه متشقق، وضوؤه لا يعمل، لكنّه يحتفظ به كما لو كان كنزًا. كانت ابنته ليان تصرّ كل عام على تزيين البيت بأوراق ملوّنة تصنعها بيديها. تضحك وهي تقول: “الفرح واجب يا بابا”.
استُشهدت ليان في قصفٍ مفاجئ. وبقي الفانوس شاهدًا على آخر رمضان جمعهم. “في أول إفطار بعدها”، يهمس معتز، “لم أستطع رفع الملعقة. شعرت أن اللقمة تخونها”.
يحاول أن يُبقي ذكراها حيّة بطريقته الخاصة. يوزّع تمرًا باسمها، ويحكي لإخوتها الصغار عن ضحكتها، عن عنادها الجميل، عن رسمتها الأولى لفانوسٍ أكبر من الورقة. كل حكاية تُقال كأنها محاولة لسدّ فجوة لا تُسدّ.
“ليان كانت روحي”، يقول، “أؤمن أنها سبقتنا إلى مكان أرحب… لكن الفقد قاتل، ورمضان يقلب الأوجاع كأنه يفتّش فيها”.
أما سلمى علي، فقد تغيّر إيقاع حياتها بالكامل منذ رحيل زوجها. كان يتكفّل بكل تفاصيل الشهر؛ يشتري الزينة، يعلّق الفوانيس، ويعود محمّلًا بأكياس صغيرة يُخفي فيها مفاجآت لأطفاله. اليوم، تجلس مع صغارها حول مائدة بسيطة، تُعدّ ما تيسّر، وتبتسم لهم بجهدٍ واضح.
في السحور، توقظهم برفق، لا لتُدرّبهم على الصيام، فهم أصغر من ذلك، بل لتكسر وحشة الليل. تجلس بينهم وتعلّمهم دعاءً جديدًا كل ليلة. تشعر أنها تبني بهم جسرًا يصلها بذكراه، وأنها حين تحكي لهم عنه، تُبقيه حاضرًا في تفاصيلهم الصغيرة.
"كان يعمل عملًا إضافيًا ليشتري لهم فانوسًا”، تقول، “أخاف أن ينسوا صوته”.
هكذا يمضي رمضان في غزة.
ليس شهرًا يُقاس بعدد الأطباق ولا بزينة الشوارع، بل بعدد المقاعد الفارغة حول الموائد، وبالأسماء التي تُذكر همسًا قبل الإفطار.
الإبادة لم تسلب الأرواح وحدها، بل سلبت التفاصيل التي كانت تُعرّف الشهر: طرقات السحور، ضحكات التراويح، ازدحام الأسواق، رائحة الخبز الساخن عند الغروب. صار الشهر امتحان صبرٍ طويل، وصار الدعاء أطول من المعتاد.
لكن، رغم كل شيء، لا تزال الأمهات يضعن أطباقًا للغائبين، والآباء يعلّقون فوانيس مكسورة، والأطفال يرفعون أيديهم الصغيرة إلى السماء. كأنهم يقولون إن الفقد، مهما اتّسع، لا يستطيع أن يُطفئ شعلة الرجاء.
هنا، يصبح الصيام عن الفرح درسًا إضافيًا في الصبر.
وتغدو الذاكرة مائدة لا تخلو من الأحبة… مهما غابوا.
.jpeg)
.avif)