"أرزاق مدفونة تحت الركام".. نساء غزة فقدن كل شيء إلا الإرادة
لم تُسقط الحرب بيوت غزة وحدها، بل أسقطت معها أحلامًا صغيرة كانت تنمو بصمت داخل البيوت.
مشاريع نسائية بُنيت على الصبر والمهارة، صارت فجأة ركامًا، وعادت صاحباتها قسرًا إلى "نقطة الصفر”، بعد سنوات من الكفاح لتأمين لقمة العيش بكرامة.
قبل اندلاع الحرب، كانت النساء الغزيات يوسّعن حضورهن في سوق العمل، يخضن مجالات جديدة، ويؤسسن مشاريع صغيرة من داخل منازلهن. بعضهن أصبحن المعيل الوحيد لأسرهن، مستندات إلى دعم مؤسسات محلية ودولية آمنت بقدرتهن على الإنتاج والاستمرار.
لكن مع الحرب، تبدّل كل شيء؛ توقّف الدعم التنموي، وحلّت مكانه الاستجابة الإغاثية الطارئة، فغابت المشاريع، وبقي الاحتياج.
سهير زياد (39 عامًا) كانت واحدة من هؤلاء النساء، لسنوات لم تعرف ليلًا بلا عمل؛ تقضي ساعات طويلة في تجهيز الكيك للمناسبات، وتستقبل الطلبات عبر صفحتها على “إنستغرام” التي أطلقتها باسم “تالا كيك”. عيد ميلاد، تخرج، أو مناسبة عائلية.. كانت لمستها حاضرة.
لم تكن مهارتها محض موهبة، بل ثمرة مشروع دعم استهدف تمكين النساء اقتصاديًا. اليوم، تحاول سهير أن تحكي دون شكوى، لكنها تقول بمرارة: "قلبت الحرب حياتي رأسًا على عقب. بعد أن كنت أقضي الليالي في تجهيز الكيك، أصبحت بالكاد أجد الطحين لخبزه لعائلتي".
شحّ المكونات، وانعدام الإمكانات، أجبراها على التوقف.. توقّفٌ لم يكن عن العمل فقط، بل عن مصدر أساسي لإعالة الأسرة.
في حي التفاح شرق غزة، كانت الحاجة فاطمة (61 عامًا) عنوانًا للإتقان. أربعون عامًا من التطريز وصناعة القبعات والأوشحة الصوفية، حتى صار بيتها مقصدًا معروفًا في الحي. لم تحتج إلى وسائل ترويج؛ اسمها كان كافيًا.
لكن الحرب لم تُبقِ لها بيتًا ولا مشغولات. دُمّر المنزل، وضاعت عشرات القطع التي سهرت الليالي لإنجازها. اليوم، تعيش في خيمة قرب ملعب اليرموك، إلى جوار إخوتها.
تقول بصوتٍ خافت: “أشعر بأنني أصبحت عبئًا عليهم، رغم أنهم لا يتذمرون. تعودت طوال حياتي أن أعتمد على نفسي”.
خلال تنقلها بين خيمة وأخرى، ومن مركز إيواء إلى مدرسة، لم تترك الإبرة والخيط. كانت ترمّم الملابس الممزقة، تحاول أن تُصلح ما أفسده النزوح، ولو دون مقابل.
أما هبة العقاد (34 عامًا)، أم لأربعة أطفال من خزاعة، فكان مشروعها مختلفًا. منحلة صغيرة، اعتنت فيها بالنحل، وباعت العسل، وساعدت زوجها في إعالة الأسرة. أربع سنوات من العمل، والمشاركة في معارض نسوية، كانت سعادتها تكتمل حين تنفد قوارير العسل.
بعد اجتياح خانيونس، دُمّر كل شيء. توقّف المشروع، وبقي الحلم. تقول إنها ما تزال تتمنى العودة يومًا إلى هذا المجال، خاصة أنها كانت تُحضّر خلطات علاجية من العسل لمرضى كُثر.
توضح شيرين هاشم، منسقة في مركز المؤسسات الصغيرة (SEC)، أن المركز دعم قبل الحرب مشاريع نسوية متعددة، من مشغولات يدوية إلى إنتاج الطعام والحلويات الفلسطينية التقليدية، بطابع يعكس الهوية الثقافية.
“هذه المشاريع، رغم بساطتها، كانت مصدر دخل حقيقي للنساء، وأسهمت في إعالتهن بشكل كامل أو جزئي”.
لكن الحرب عطّلت كل ذلك، وأجبرت المؤسسات على تحويل بوصلتها نحو الإغاثة الطارئة، على حساب التمكين الاقتصادي.
وبحسب المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر، فإن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل قبل الحرب تراوحت بين 27% و30%، قبل أن تتقلص بشكل حاد مع انهيار السوق وارتفاع البطالة إلى نحو 80%.
ويؤكد أن أي خطط تعافٍ وإعادة إعمار لا يمكن أن تنجح دون إعادة الاعتبار للدور المحوري للنساء في الاقتصاد.
في غزة، لم تكن مشاريع النساء مجرد مصدر رزق، بل مساحة للكرامة والاستقلال. واليوم، تحت الركام، تنتظر هذه المشاريع – وصاحباتها – فرصة جديدة للبدء من جديد، ولو من الصفر.
.jpeg)
.avif)